في المشرحة (الحلقة الأولى)


يعمل علاء كطبيب في واحدة من المستشفيات الحكومية، ومن هنا يمكنك أن تعرف المعاناة التي يشعر بها يوميًا في عمله، مع ضعف الإمكانيات وصعوبة العمل في ظروف المستشفيات الحكومية، كما أنه كطبيب جراحة فإنه يتعامل دائمًا مع أصعب الحوادث، والتي ينتهي العديد منها بالموت في نهاية المطاف.

توجد في المستشفى التي يعمل بها علاء مشرحة، على عكس مستشفيات حكومية أخرى كثيرة، وهذا يجعل المستشفى تستقبل الوفيات طوال الوقت، وخصوصًا أولئك الذين لا أهل لهم، فيتم حفظهم في مشرحة المستشفى.

وعلى الرغم من كثرة تعامله مع الحالات التي تنتهي بالموت، لكنه يخشى كثيرًا الدخول إلى المشرحة، فهي تمثل له نوع قوي جدًا من أنواع الرعب، حيث ينظر علاء إلى من يعمل في المشرحة على كونهم أشخاص أسطورية لدرجة تسمح لهم بالتعامل مع الموتى، وحفظهم في الثلاجات، وكذلك يُطلب من بعضهم المبيت بجوار المشرحة، لذلك كان ينظر لهم نظرة تبجيل كبيرة جدًا، فهو حتى الآن رغم أنه يعمل هنا من سنوات عدة، لم يدخل إلى المشرحة ولا مرة في حياته.

شعر علاء وهو في طريقه إلى المستشفى هذا الصباح بأن اليوم لن يكون جيدًا، ورغم أنه طبيب واسع الاطّلاع والمعرفة، إلا أنه كان دائمًا ما يثق في إحساسه، حتى ولو تعارض هذا مع العقل والمنطق.

وصل علاء إلى المستشفى، وقد أبلغه مديره هاتفيًا بأن يحضر إلى مكتبه عندما يصل مباشرةً، مما جعل الإحساس في داخله يتأكد في هذه اللحظة.

وصل علاء إلى مكتب مدير المستشفى، الدكتور خالد، وبدأ الحديث بينهما.

خالد: هل عرفت بأخبار حادثة اليوم؟

علاء: لا لم أعرف أي شيء بعد، بمجرد قدومي إلى المستشفى، أتيت إلى مكتبك.

خالد: حادثة اليوم من أفظع الحوادث التي يمكن أن تحدث هنا، صباح اليوم اصطدم أوتوبيس يقل بعض المسافرين، بقطار الركاب "المميز".. وهناك العديد من الوفيات، وكذلك الجثث التي لم يتعرف عليها أحد، وأنت تعرف في هذه الحالة.. سيتم حفظهم في الثلاجة في المستشفى هنا.

علاء: إن لله وإن إليه راجعون.. أنا آسف جدًا لسماعي هذه الأخبار.. ما المطلوب مني بالتحديد؟

خالد: عدد الجثث التي وصلت إلينا كبير جدًا، ولم يكن هناك العديد من الأطباء في وقت وصولهم.. وبالتالي نحن نحتاج إلى فحص هذه الجثث من جديد.. لنعرف أيها سليم، وأيها تالف تمامًا.. حتى نحدد ما يجب علينا فعله.

علاء: هل من الممكن إحضارهم إلى غرفة الجراحة حتى نبدأ في الفحص؟

خالد: للأسف لا يمكن ذلك.. العدد كبير كما أخبرتك، كما أن حمل هذه الجثث من الثلاجات إلى غرفة الجراحة أمر غير مضمون أبدًا.. لا حل لدينا سوى أن يتم الفحص في المشرحة!

كان وقع هذا الخبر على علاء كالصاعقة، فهو يعرف أن دخوله إلى المشرحة أمر كارثي يخشاه كثيرًا، ولذلك حرص طوال فترة عمله على الابتعاد عنها، لكن يبدو أن الآن لم يعد هناك بديل عن الذهاب.

انتظر علاء حتى حضور باقي الأطباء، وذهبوا جميعًا إلى المشرحة، لم ينس علاء وهو يدخل إلى هناك أن يسلم على "عم محمد" عامل المشرحة الأقدم في المستشفى، فهو بالنسبة لعلاء بطل خارق، يؤدي مهمة مستحيلة.

بدأت عملية فحص الجثث، كل طبيب يجلس وهو يفحص مجموعة من الجثث، وكان علاء يحب عمله كثيرًا، ولعل هذا ما ساعده على نسيان المكان الذي يتواجد فيه حاليًا.

وكما كان يشعر علاء بأن هذا اليوم ليس جيدًا في الصباح، فإنه تمنى أن يكون هذا بسبب دخوله إلى المشرحة، وهي حادثة كبيرة بالتأكيد، لا يمكن النظر إليها على أنها أمر عادي بالنسبة له، برغم ذلك فإن إحساسه بوجود كارثة ستحدث معه لم يختفي بعد.

لم يكن علاء يعرف بأنه في يوم من الأيام قد يكره اندماجه في العمل، لكن يبدو أن هذه اللحظة قد حانت، فعندما رفع علاء نظره إلى الأعلى بحثًا عن زملائه، لم يجد أيًا منهم موجود، فأسرع جريًا إلى الباب، ليجده كما توقع، مغلق من الخارج.

أخرج علاء هاتفه، وحاول أن يتصل بأي شخص، لكنه لسوء الحظ، وجد أنه لا توجد إشارة في هاتفه للاتصال، فهذا المكان كما أدرك لا تعمل فيه شبكات الاتصالات بصورة جيدة.

وقف علاء في مواجهة الباب، وظل يصرخ كثيرًا مناديًا عم محمد، أو أي شخص قد يستجيب لندائه، المهم أن يخرج من هنا في أسرع وقت، فهو يعرف كثيرًا كيف أن خوفه من هذا المكان قد يجعله يتصرف بخوف شديد، لا يعرف إلى أين سيقوده هذا الخوف، لكن ظل صراخه بلا جدوى، ولم يستجب أي شخص للنداء.

نظر علاء إلى ساعته ليجدها قد قاربت على الساعة الرابعة عصرًا، وهو يعتقد بأن زملاءه قد رحلوا عن المستشفى بلا عودة، وكذلك على ما يبدو فعل مثلهم عم محمد.

هنا جلس علاء على الأرض، وقد أسند ظهره إلى الباب، وهو يؤمن بأن هذا هو أسوء موقف قد يتعرض له في حياته، وهو يدعو الله أن يتمكن من تحمل هذه الأجواء حتى يُخرجه أحدهم.

لكنه لم يعرف بأن القدر يخبيء له المزيد، فبينما هو جالس على الأرض، إذا به يسمع أحد الأصوات، والتي يبدو أنها قادمة من الثلاجة، بدأ ينصت جيدًا، حتى أدرك في النهاية أن هذا الصوت يهمس قائلًا: علاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااء.!


إذا أعجبك الموضوع شاركنا بتعليقك ونشر الموضوع

80
4
80 shares, 4 points

What's Your Reaction?

Angry Angry
7
Angry
Cute Cute
4
Cute
Fail Fail
1
Fail
Geeky Geeky
5
Geeky
Lol Lol
1
Lol
Love Love
2
Love
WOW WOW
4
WOW
Win Win
1
Win
WTF WTF
0
WTF

في المشرحة (الحلقة الأولى)



OR


Note: Your password will be generated automatically and sent to your email address.

Forgot Your Password?

Enter your email address and we'll send you a link you can use to pick a new password.

log in

مرحبًا بك - قم بتسجيل الدخول

ليس لديك حساب؟
sign up

reset password

إعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك

الرجوع إلى
log in

sign up

انضم إلينا الآن

الرجوع إلى
log in

Choose post type

News Image List Video
اختر نوع الموضوع الذي تريده ..
مقال
قم بكتابة موضوعك من هنا.
قائمة
اضغط هنا لتقوم بنشر قائمة من المعلومات القصيرة.